إستراتيجية الواقع المعاصربعيون جون بودريار
أوعبيشة علي الحسن
كيف يشتغل الواقع المعاصر و ماهي استراتيجياته؟ ماذا يقصد الفيلسوف الفرنسي جون بودريار بقوله بأن الواقع المعاصر واقع مصطنع من جهة و مفرط في واقعيته من جهة أخرى ؟ وهل يمكن الذهاب معه بعيدا إلى حد القول بأن الواقع قد مات ؟ و بأي معنى يمكن الحديث عن مقاييس و معايير للواقع المعاصرعلما بأنه أصبح يشتغل على ذاته باصطناع أشباهه؟و هل يمكن تعميم نموذج ديزنيلايند على اللحظة الراهنة عموما و القول بأن العالم المعاصر نسخة مكرو-واقعية له ؟
و لولوج غمار التحليل البودرياري للواقع المعاصر أقترح الإنطلاق من مفهوم أساسي و جوهري عرفت به الفلسفة المعاصرة سواء بفرنسا أو بألمانيا…إلخ آلا و هو مفهوم simulation""؟، هذا المفهوم الذي يمكن أن نعتبره mot de passe لفك لغز التحليل البودرياري للواقع المعاصر.
إن لفظ simulation الذي يوظفه جان بودريار ويقابله في اللغة العربية لفظ الاصطناع() أو التصنع أو التمويه() أو الإيهام() أو التصاور()؛ مفهوم أساسي وجوهري في المتن البودرياري ومفتاح مهم وضروري لفك ألغاز أطروحة موت الواقع.
ولقد استعار بودريار في مؤلفه « Simulacres et simulation » حكاية لخورخي بورخيس وهي خرائطيو الإمبراطورية، معتبرا إياها "أجمل محاكاة ساخرة للتصنع"() ومضمون هذه الحكاية أن أحد الأباطرة أمر بأن ترسم خريطة مفصلة لإمبراطوريته "تغطي مجموع مجالها الترابي بدقة كبيرة"() فكانت النتيجة أن جاءت الخريطة، بقدر مساحة الإمبراطورية تماما.
حيث أصبحت الخريطة هي الأرض وحلت محلها، فأصبحت النسخة الشبيهة هي الأصل ذلك أن "السيمولاكر لا يخفي الحقيقي أبدا بل إن الحقيقي هو الذي يخفي واقع عدم وجود شيء حقيقي، إن السيمولاكر هو الحقيقي"()، لقد انمحى الاختلاف الكامن بين الأرض والخريطة بين الأصل والنسخة، بين الأيقونة والسيمولاكر.
بل أكثر من هذا صارت الخريطة تسبق الأرض بعدما كانت الأرض هي التي تسبق الخريطة وترممها وتولدها، ومع أفول الإمبراطورية (الأرض) بدأت "خريطتها تتفتت شيئا فشيئا، كما بدأت بعض الثغور التي مازال بالإمكان تحديد مواقعها في قلب الصحاري تتفتت هي أيضا، لقد حذت الخريطة حذو الأرض كما لو تعلق الأمر بلحم فاسد محكوم عليه بالتفتت والعودة إلى مادته الأصلية"().
ويرى بودريار أن المجتمعات ما بعد الحداثية أو ما بعد الصناعية.. إلخ نموذج حي لهذه الحكاية، إن لم نقل أنها وصلت إلى عكسها ونهايتها، لقد انهارت الخريطة حسب بودريار كتجريد وكمضاعف وكبديل وكمرآة للأرض بحيث أنها لم تعد تصنعا أو محاكاة لأرض أو لكائن مرجعي أو لمادة معينة "لقد تحولت إلى إستراتيجية للتوليد بواسطة نماذج لواقع بلا أصل وبلا هوية"(). لقد غذت واقعا فائقا أو واقعية مفرطة.
موت الواقع إذا ليس موتا أنطولوجيا ومطلقا لـ "الواقع" بل إنه موت لتصور معين عنه ألا وهو التصور العقلاني الموضوعي الحديث، وهذا ما يستدعي إعادة الاعتبار في تصوراتنا وأفكارنا ومقولاتنا التي كنا نظن الواقع يعمل بها ويحتكم لها.
لقد تمزقت الخريطة وبدأت تتحلل حسب بورخيس والسبب في ذلك لا يعود إلى الخريطة بل إلى الواقع (الأرض)، بمعنى أن تحلل وأفول الواقع لا يتحمل فيه التصور العقلاني الحديث مسؤوليته المباشرة. وإنما السبب يعود إلى "الواقع" الذي استحال إلى واقع فائق واقع مصطنع ومفبرك.
ولتسليط الضوء على مفهوم الاصطناع Simulation يضع بودريار فرقا مهما بينه وبين مفاهيم أخرى منها مفهوم الإخفاء dissimulation، فإذا كان هذا يعني "التظاهر بعدم امتلاك ما نملك"(). وهو موجه دائما صوب ما تملك، فنحن لا نخفي شيئا ليس بحوزتنا، لأنه لا يمكن إخفاء اللاشيء أو العدم، كما أنه ليس بمقدورنا حجبه طالما أنه غير موجود.
فإن الاصطناع هو "التظاهر بامتلاك ما لا نملك"()، أي أن الاصطناع يشتغل دوما على ما لا نملك، ويدعي باستمرار امتلاكه، وبالتالي فإن المرجعية الأساسية للاصطناع هي الغياب، لأن موضوعاته مفبركة وليست طبيعية، أشياء وعناصر واقعية وغير حقيقية يتم إنتاجها كوقائع طبيعية وحقائق ثابتة، في حين أن مرجعية الإخفاء هي الحضور، لأن موضوعاته حاضرة وموجودة وطبيعية وبالتالي فمكانة الغياب في إستراتيجية الإخفاء ثانوية لأنها تكون فقط مجرد نتيجة وتجلي، بينما نجد بأن مكانة الغياب في الاصطناع كإستراتيجية تمويهية، أساسية، لأن الغياب يدخل في بنية الاصطناع وفي تكوينه.
لكن مع ذلك فالاصطناع – حسب بودريار دائما- ليس بهذه البساطة والوضوح – إن شئنا توظيف مفاهيم فيدجنشتاينية – لأنه أكثر تعقيدا وتركيبا وتضليلا، ذلك "لأن الاصطناع غير التظاهر"()، فالتظاهر بالشيء لا يعني اصطناعه فمن يتظاهر بالمرض – كما يقول صاحب المصطنع والاصطناع – يمكنه ببساطة أن يستلقي على سريره ليوهم الآخرين بأنه مريض، أما من يصطنع المرض فإنه يعمل على أن يعين في حاله بعض الأعراض.
لهذا فلا التظاهر أو الادعاء ولا الإخفاء يعبران عن حقيقة الاصطناع، لأن الاختلافات التي يطرحها التظاهر أو الإخفاء مقنعة masqué أي أن كليهما مجرد قناع يتظاهر بشيء ما أو يخفيه، علاوة على أنهما لا يخلخلان بأي معنى من المعاني توازن الواقع، فهذا الأخير بهما أو بدونهما يبقى ثابتا ومتوازنا، لأنهما (أي التظاهر والإخفاء) يتركان الواقع سليما لا يشوبه النقص().
في حين أن الاصطناع simulation يشوه الواقع ويمزق مبادئه، فالإخفاء أو التظاهر كما قلنا لا يتركان أي أثر في الواقع، ولا يغيران فيه أي شيء، لأنهما يتركان الواقع كما هو، يطفوان على سطحه ولما تنتهي مدة صلاحيتهما يختفيان لأنهما بكل بساطة عابران().
أما الاصطناع فإنه لا يعبر ثم يمضي ويزول، لأنه ليس إستراتيجية سطحية ثانوية وإنما موجه بالضرورة ضد مبادئ الواقع ومقولاته، الاصطناع إذا يضع الواقع في زلزلة قوية مفادها فقدان ثنائياته وتناقضاته وأقطابه للمعنى، فالاصطناع يجدر من هشاشة مبدأ الواقعية ويظلل أي إمكانية للتمييز بين الحقيقة والزيف والصدق والكذب، الخير والشر، بين الواقع والمخيال أو الخيال… إلخ وبالتالي يشكك في الاختلافات التي تميز كل قطب من هذه الأقطاب عن نظيراتها، إلى درجة أن المقارنة بين هذه الثنائيات فقدت أهميتها، ذلك أن الاصطناع باعتباره موجه بالضرورة ضد مبادئ الواقع، يسعى إلى إقامة إبستمولوجية فوضوية جرثومية أساسها التمويه والتضليل واللاتدقيق واللاضبط وانعدام الشفافية والصفاء.
فلم تعد هناك مثلا أية إمكانية للتمييز بين الواقعي والخيالي بين الحقيقي والزائف، لأننا أصبحنا بفعل الاصطناع نحيى خارج أسوار هذه الثنائيات، بحيث لم يعد هناك بعد خيالي مستقل عن الواقع() ولا زيف منفصل عن الحقيقة، لقد اختلطت الأوراق والعناصر والأشياء، وفي هذا المستوى نتلمس تشابها بين النظرة البورديارية للعالم والنظرة الديريدية للعالم كنص، فدريدا كذلك يقر بالطابع "المتردد واللايقيني indécidable" للعالم.
ففي ما مضى خاصة في عصر الحداثة كان للواقع معنى واضح ونفس الشيء بالنسبة للخيال والحقيقة والزيف… وسائر المفاهيم الأخرى غير أنه الآن انهارت معاني هذه المفاهيم بحيث لم نعد نعرف بدقة ما الواقعي؟ وما الخيالي؟ ما الحقيقي؟ وما الزائف؟
اصطناع الواقع إذا تماما كاصطناع المرض، وهنا يتساءل بودريار: "وبما أن المصطنع يخلق أعراضا "حقيقية" فهل هو مريض أم لا؟" ويجيب بقوله: "لا نستطيع أن نتعامل معه موضوعيا لا كمريض ولا كسليم هنا يتوقف الطب وعلم النفس أمام حقيقة مرض صارت غير معروفة"().
نفس الشيء بالنسبة لاصطناع الواقع، فالواقع المصطنع ينفلت من أي إمكانية للتعامل معه موضوعيا كواقع أو كخيال، كحقيقة أو كزيف… إلخ. فكما أنه إذا كان ممكنا إنتاج أو صناعة أو بالأحرى تصنع أعراض كما لو أنها أعراض واقعية وحقيقية رغم أنها ليست طبيعية، فإنه يمكن اعتبار كل مرض قابل للتصنع والاصطناع، وبالتالي يفقد الطب معناه لأنه لا يعرف معالجة غير الأمراض الحقيقية من خلال أسبابها الموضوعية().
والنتيجة أن الواقع بعدما أصبح مصطنعا ومفبركا أصبح عصيا على الفهم مادمنا لا نستطيع تمييز مظاهره الحقيقية عن المصطنعة،وكل هذا لأن إستراتيجية التصنع تعمل على "جعل الواقع والوهم شيئا واحدا"(). وهذه هي الجريمة "le crime" جريمة قتل الواقع وإبادة الوهم، وهي الجريمة الأكثر خطورة مادامت تلغي الاختلاف الذي هو بمثابة حجر الزاوية والعصب الذي يبنى عليه القانون "لأن التصنع إستراتيجية تتعالى على التناقضات والاختلافات والتمييزات العقلية التي تؤسس للاجتماعي والسلطة"()، الاصطناع إذا يلغي الاختلاف والتمايز والمباينة la différence، ويرسخ النمنمة أو التصغير وكذلك التنميط… إلخ.
وكل هذه الفاعليات تشكل تهديدا "عقليا" لنا فـ"لقد تم في كل مكان وصل وتذويب المسافات والاختلافات بين الأجناس والأقطاب المتفارقة، وبين القاعة والمشهد، والواقع وضعفه، والذات والموضوع، وهو ما أدى إلى خلط جذري في المصطلحات وإلى اصطدام هائل بين الأقطاب جعل من المستحيل الاستمرار في لعبة إقامة التمييزات والحدود وإصدار الأحكام سواء في الفن أو الأخلاق أو السياسة"().
فالتصنع كإستراتيجية للتضليل يجعل إمكانية التمييز في الفن مثلا بين الجميل والقبيح والجيد والبذيئ أمرا مستعصيا، وفي هذا الصدد يقدم بودريار في مؤلفه القي
























.jpg)

